ابن قيم الجوزية
102
الروح
قريبا منه ويشاهدهم عيانا ويتحدثون عنده ، ومعهم الأكفان والحنوط ، إما من الجنة ، وإما من النار ، ويؤمنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر ، وقد يسلمون على المحتضر ، ويرد عليهم تارة بلفظة ، وتارة بإشارته ، وتارة بقلبه ، حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة . وقد سمع بعض المحتضرين يقول : أهلا وسهلا ومرحبا بهذه الوجوه . ( وأخبرني ) شيخنا « 1 » عن بعض المحتضرين ، فلا أدري أشاهده وأخبره عنه أنه سمع وهو يقول : عليك السلام هاهنا فأجلس ، وعليك السلام هاهنا فاجلس « 2 » . ( وقصة ) خبر النساج رحمه اللّه مشهورة حيث قال عند الموت : اصبر عافاك اللّه ، فإن ما أمرت به لا يفوت ، وما أمرت به يفوت ، ثم استدعى بماء فتوضأ وصلى ثم قال : امض لما أمرت به ، ومات . ( وذكر ) ابن أبي الدنيا أن عمر بن عبد العزيز لما كان في يومه الذي مات فيه قال : أجلسوني ، فأجلسوه فقال : أنا الذي أمرتني فقصرت ، ونهيتني فعصيت ، ثلاث مرات ، ولكن لا إله إلا اللّه ، ثم رفع رأسه فأحط النظر ، فقالوا : إنك لتنظر نظرا شديدا يا أمير المؤمنين ، فقال : إني لأرى حضرة ما هم بأنس ولا جن ، ثم قبض . ( وقال ) مسلمة بن عبد الملك ، لما احتضر عمر بن عبد العزيز كنا عنده في قبة « 3 » ، فأومى إلينا أن أخرجوا ، فخرجنا ، فقعدنا حول القبة ، وبقي عنده وصيف « 4 » ، فسمعناه يقرأ هذه الآية : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي
--> ( 1 ) أي ابن تيمية . ( 2 ) وليس هذا ببعيد ، فالرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم قد سمع منه ما يدل على ذلك ، فقد أخرج البخاري في مرض الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم ( 5 / 138 ) عن السيدة عائشة رضي اللّه عنها قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو صحيح يقول : « إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ، ثم يحيا أو يخير » فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه ، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال : « اللهم في الرفيق الأعلى » فقلت : إذا لا يجاورنا ، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا ، وهو صحيح . ( 3 ) القبة : بناء مستدير مقوس مجوف يعقد بالآجر ونحوه ، أو خيمة صغيرة أعلاها مستدير . ( 4 ) الوصيف : الخادم ، غلاما كان أو جارية .